مجمع البحوث الاسلامية

450

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً النّساء : 82 ، أي لكان بعضه واردا على نقيض الآخر ، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والرّكاكة . وأمّا ما دلّ على أنّ بعضه محكم وبعضه متشابه ، فهو هذه الآية الّتى نحن في تفسيرها ، ولا بدّلنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللّغة ، ثمّ من تفسيرهما في عرف الشّريعة . أمّا المحكم فالعرب تقول : حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت ، ومنعت ، والحاكم يمنع الظّالم عن الظّلم ، وحكمة اللّجام الّتي هي تمنع الفرس عن الاضطراب ، وفي حديث النّخعيّ : « أحكم اليتيم كما تحكم ولدك » أي امنعه عن الفساد ، وقال جرير : أحكموا سفهاءكم ، أي امنعوهم ، وبناء محكم ، أي وثيق يمنع من تعرّض له ، وسمّيت الحكمة حكمة ، لأنّها تمنع عمّا لا ينبغي . وأمّا المتشابه فهو أن يكون أحد الشّيئين مشابها للآخر بحيث يعجز الذّهن عن التّمييز ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا البقرة : 70 ، وقال في وصف ثمار الجنّة : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً البقرة : 25 ، أي متّفق المنظر مختلف الطّعوم ، وقال اللّه تعالى : تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ البقرة : 118 ، ومنه يقال : اشتبه عليّ الأمران ، إذا لم يفرّق بينهما ، ويقال لأصحاب المخاريق : أصحاب الشّبه . وقال عليه السّلام : « الحلال بيّن والحرام بيّن ، وبينهما أمور متشابهات » . وفي رواية أخرى مشتبهات . ثمّ لمّا كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التّمييز بينهما ، سمّي كلّ ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه ، إطلاقا لاسم السّبب على المسبّب . ونظيره المشكل سمّي بذلك ، لأنّه أشكل ، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه ، ثمّ يقال لكلّ ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة : مشكل . ويحتمل أن يقال : إنّه الّذي لا يعرف أنّ الحقّ ثبوته أو عدمه ، وكان الحكم بثبوته مساويا للحكم بعدمه في العقل والذّهن ، ومشابها له ، وغير متميّز أحدهما عن الآخر بمزيد رجحان ، فلا جرم سمّي غير المعلوم بأنّه متشابه . فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللّغة ، فنقول : النّاس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه ، ونحن نذكر الوجه الملخّص الّذي عليه أكثر المحقّقين ، ثمّ نذكر عقيبه أقوال النّاس فيه فنقول : اللّفظ الّذي جعل موضوعا لمعنى ، فإمّا أن يكون محتملا لغير ذلك المعنى ، وإمّا أن لا يكون ، فإذا كان اللّفظ موضوعا لمعنى ، ولا يكون محتملا لغيره ، فهذا هو النّصّ . وأمّا إن كان محتملا لغيره فلا يخلو إمّا أن يكون احتماله لأحدهما راجحا على الآخر ، وإمّا أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السّواء ، فإن كان احتماله لأحدهما راجحا على الآخر سمّي ذلك اللّفظ بالنّسبة إلى الرّاجح ظاهرا ، وبالنّسبة إلى المرجوح مؤوّلا . وأمّا إن كان احتماله لهما على السّويّة كان اللّفظ بالنّسبة إليهما معا مشتركا ، وبالنّسبة إلى كلّ واحد منهما . على التّعيين مجملا ، فقد خرج من التّقسيم الّذي ذكرناه أنّ اللّفظ إمّا